محمد بن جرير الطبري
36
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
عن دابته ، ومن كان من ذاك الجانب مع أبى سعيد وجعفر الخياط وأصحابه وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو ، فهم وقوف على ظهور دوابهم ، ويفرق رجالته الكوهبانية ليفتشوا الأودية ، طمع ان يقع على مواضع الكمناء فيعرفها ، فكانت هذه حالته في التفتيش إلى بعد الظهر ، والخرمية بين يدي بابك يشربون النبيذ ، ويزمرون بالسرنيايات ، ويضربون بالطبول ، حتى إذا صلى الافشين الظهر ، تقدم فانحدر إلى خندقه بروذ الروذ ، فكان أول من ينحدر أبو سعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار ، ثم ينصرف الافشين ، وكان مجيئه ذلك مما يغيظ بابك ، وانصرافه فإذا دنا الانصراف ، ضربوا بصنوجهم ، ونفخوا بوقاتهم استهزاء ، ولا يبرح بخاراخذاه من العقبة التي هو عليها ، حتى تجوزه الناس جميعا ، ثم ينصرف في آثارهم ، فلما كان في بعض أيامهم ضجرت الخرمية من المعادلة والتفتيش الذي كان يفتش عليهم ، فانصرف الافشين كعادته ، وانصرفت الكراديس أولا فأولا ، وعبر أبو سعيد الوادي ، وعبر أحمد بن الخليل ، وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط ، وفتح الخرمية باب خندقهم ، وخرج منهم عشره فوارس ، وحملوا على من بقي من أصحاب جعفر الخياط في ذلك الموضع ، وارتفعت الضجة في العسكر ، فرجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه ، فحمل على أولئك الفرسان حتى ردهم إلى باب البذ ، ثم وقعت الضجة في العسكر ، فرجع الافشين وجعفر وأصحابه من ذلك الجانب يقاتلون ، وقد خرج من أصحاب جعفر عده ، وخرج بابك بعده فرسان لم يكن معهم رجاله ، لا من أصحاب الافشين ، ولا من أصحاب بابك ، كان هؤلاء يحملون ، وهؤلاء يحملون ، فوقعت بينهم جراحات ، ورجع الافشين حتى طرح له النطع والكرسي ، فجلس في موضعه الذي كان يجلس فيه ، وهو يتلظى على جعفر ، ويقول : قد افسد على تعبيتى وما أريد